تسجيل الدخول إلى حسابك

السابق: 012345678

غير مسجل؟ إنشاء حساب
غزة في الشعر الإيطالي

في تعليقه على نهج الاغتيالات السياسية للقيادات الفلسطينية، الذي اعتمده الاحتلال الإسرائيلي خلال الأشهر الأولى من عدوانه على غزة، قال المفكر الفلسطيني منير شفيق حينها إن الاغتيالات “تخلّ بالشرف العسكري”، مؤكدا أن “القتال لا بد أن يكون شريفا”.

وعاد المفكر الفلسطيني مجددا للحديث عن سياسة التجويع في غزة، فوصفها بما يتجاوز “السفالة”، وكأن مصطلح “إبادة” لم يعد وحده كافيا لوصف الحضيض الذي بلغه تعامل الاحتلال مع الإنسان في غزة.

غزة.. حكاية مدينة محاصرة

أما في غزة القرن الـ21، فالمشهد مختلف تماما: طحينٌ منتهٍ الصلاحية يُستخدم كمصايد للموت، وقنابل تخرق أيام الهدنة، وشاحنات معلّبات شحيحة تُمنع من الدخول لإطعام المجوّعين.

صورٌ مرعبة سجل الأدب الإيطالي شيئا منها في آخر إصدار للشاعرة والمسرحية الإيطالية روسيلا أور، في مجموعة شعرية بعنوان “كحب طبلة الأذن وبؤبؤ العين”، الصادرة في يونيو/حزيران من هذا العام، وتحديدا في قصيدة بعنوان “في قطاع غزة“.

وإذ تُصوّر القصيدة مشاهد موحشة من الدمار والقصف الذي ينهال على المدينة، تنهار الجدران وتتشقّق الأسوار، كأنها فوهات من جهنم تنفث لهبها وغضبها على كل من يعيش داخلها. تتساقط الظلال الثقيلة على الحيطان المحترقة، وكأن الظلمة نفسها تهرب من نور الحياة.

تتجلّى في القصيدة صورٌ لأطفال يصرخون عطشا في أحياء بلا ماء، ونساء بثياب مغبرة يمشين حافيات، تتبعهن خطوات يأسٍ نحو مستقبل مجهول. تتكرر كلمات مثل: “الظل”، و”الدم”، و”الغبار”، و”الصمت”، لتغزل نسيجا من العذاب والاحتراق الداخلي، كما لو أن الحرب حوّلت المدينة الساحلية إلى محبس تحرسه جدران من نار.

تبدو براءة الطفولة في صورة “ابتسامة ميتة”، بينما تتحوّل الفراشات إلى كائنات “بلا ضوء”، كأن الحياة تُنتزع رويدا رويدا من بين الشقوق.

وفي ذروة هذا الجحيم، يتلوّن ماء البحر بلون الدم، ويختلط الغبار بلون الرماد، في مشهد يُشبه القيامة. تسكن القصيدة في فجوة ما بين الصرخة والصمت، وتُدين بلا كلام صمت العالم أمام إبادة مستمرة.

غزة في الشعر الإيطالي

تفاعُل الشعر الإيطالي مع مشاهد الجحيم القادمة من غزة لم يقتصر على صور شعرية ذاهلة أمام المجازر المرتكبة في القطاع، وإنما وجد له مكانا مهما في الشعر الملتزم، أو ما يُطلق عليه في إيطاليا “الشعر المدني”.

ونجد هذا التوجه جليّا لدى فرانكو أرمينيو، أحد أشد شعراء إيطاليا جماهيرية، ومن بين أكثرهم مبيعا. فرانكو أرمينيو لا يجوب فقط مهرجانات إيطاليا الشعرية لإلقاء قصائده عن غزة، بل حوّل أيضا منصاته على مواقع التواصل الاجتماعي إلى منابر للتنديد بالإبادة.

وهنا نجده، في نصٍّ لقي انتشارا واسعا، نشره يوم 29 يونيو/حزيران الماضي، يصف فيه التآمر العالمي على غزة:

هذه القصيدة عن رئيس حلف الناتو،

والزاحفين الآخرين

أنا من يقرر أنها قصيدة،

ومن شاء،

فليهلّل لكونها ليست قصيدة

هذا الشعر

ليس بحاجة إلى شعر،

ولا أريد منه سوى أن أحتفل

بحريتي

التي سأقذف بها

في وجوه الخدم،

وديدان “لاحضارتنا” الغربية

يقول هذا الشعر

إن رئيس حلف الناتو

أنجز مهمته:

دفع الدول

نحو مزيدٍ من الأسلحة الأميركية

والباقي تسترده الرسوم الجمركية

ويواصل أرمينيو نقده اللاذع للأنظمة المتواطئة مع الإبادة في نص يتجاوز 70 بيتا، يختمها بحسرته على ضياع أخبار غزة بين أخبار لقيطة:

هذه القصيدة تعرف أن عليها أن تشق طريقا وعرة،

بين أخبار أعياد الميلاد،

وقصائد الحب،

وموجات الحر،

وتعليقاتٍ عن رجل ثري

تزوج في البندقية

هذه القصيدة

عمرها عمر طفل،

وقد لا تعيش

أكثر من فراشة

وما يُعتقد أنه نصوص قد لا تعيش أكثر من عمر فراشة، لشعراء يُتَّهَمون بكونهم “جماهيريين” أكثر مما تقتضيه نخبوية الشعر، على غرار فرانكو أرمينيو، أو نصوص موغلة في نخبويتها حدّ الانغلاق على دوائر أدبية خاصة، كشعر روسيلا أور، وهي إحدى أبرز ممثلات الحركة المسرحية الطليعية في روما خلال سبعينيات القرن الماضي، ليس هو ما نراه حصرا في المشهد الشعري الإيطالي الذي يشهد زخما حقيقيا مرتبطا بالنصوص الشاهدة على الإبادة.

إذ لم تعد مجموعة شعرية تخلو من قصيدة مُهداة لغزة، لدى أيٍّ من الشعراء الإيطاليين المكرَّسين أو الصاعدين، سواء في دور نشر كبيرة أو صغيرة أو متوسطة، فضلا عن نصوص تُنشر على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وكذا المجلات المحكَّمة.

وقد يكون الحوار الذي أجرته الجزيرة نت، وتُعيد نشره مجلة Italian Poetry Review العريقة في عددها الـ20 (2025)، مع الشاعر الإيطالي باولو فالزيو، رفقة الأشعار التي أهداها لغزة، دليلا دامغا على خروج شعر غزة من الإطار الضيق للدوائر “النضالية”، وتسجيله في الدوائر الأدبية الرصينة والمجلات النقدية الجادة.

والأكيد أن غزة حفرت اسمها عميقا في الوجدان الإيطالي، وأن الأدب الإيطالي سيبقى يذكّر أجيالا قادمة من الإيطاليين بمقتلة شنيعة ارتُكبت -ولا تزال- تحت أنظار العالم بأسره، وبأطفال يموتون جوعا نسيهم الساسة ولم ينسهم الأدب.

لتبقى أشعار إيطاليا المتدفقة شاهدة على الإبادة، وإذ لم يبخل أدباء إيطاليا بكلماتهم على غزة، التي استفرد بها احتلالٌ تجرّد من كل شرف.

المصدر: الجزيرة

0 0 الأصوات
معدل
الاشتراك
نبّهني عن
guest
0 تعليقات
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات

قم بتثبيت تطبيق MerajStudent